السبت 03 محرم 1439 - الموافق 23-09-2017
آخر الأخبار

محمد محفوظ يكتب : رؤية في نقد المثقف العربي

 

محمد محفوظ يكتب :  رؤية في نقد المثقف العربي

محمد محفوظ يكتب :

رؤية في نقد المثقف العربي

 

ثمة في الواقع العربي الراهن وفي الحقل الثقافي الفكري على وجه الخصوص ما يملي الحاجة والضرورة إلى تناول أداء النخبة المثقفة العربية ودورها في تطوير الواقع العربي وإخراجه من القيود الداخلية والخارجية التي تكبل انطلاقته وتمنع رقيه في مختلف الصعد والمستويات فما زالت الساحة الثقافية العربية تعيش الكثير من الحروب والمنازعات التي تدفع كل طرف إلى الاحتماء بقوة ما وتوظيفها في الصراع الدائر في الحقل الثقافي.

وفي أجواء هذا الصراع والمنافسة السيئة تنزلق الخطابات الثقافية إلى مهوى استخدام كل ألوان التضليل والتمويه والارتهان الأعمى إلى كل وسيلة بالامكان استخدامها وتوظيفها في عملية الصراع. فتخرج الفروقات والتمايزات الثقافية من واقع الاختلاف والمعرفي الذي يثري الساحة ويقدم لها خيارات ثقافية عديدة إلى واقع الحرب الضروس بكل تداعياتها وآلياتها ووسائلها فتضمحل الموضوعية والحقيقة لصالح الانحيازات الفئوية الضيقة وتتسع الهوة التي تفصل المثقف عن القيم الثقافية الكبرى التي يحملها في عقله وينظر لها في كتاباته ومقالاته لكنه يخالفها في نشاطه المجتمعي ورؤية واحدة إلى الوعي العربي المنشق على نفسه بين مدرسة ثقافية لا ترى سبيلا للنهوض والتقدم إلا الذاتية الثقافية العربية والإسلامية وبين مدرسة ثقافية ترى أن طريق التقدم هو الاندماج في ثقافة الآخر لتكتشف مدى ابتعاد الحياة الثقافية العربية عن مقتضيات العلمية والموضوعية.

ولاشك أن الوعي (على حد تعبير عبدالإله بلقزيز) يكون ضعيفاً وقاصراً ولا تاريخياً في الحالتين معا فالاندماج في ثقافة الآخر ليس صكاً حقيقياً للمعاصرة والتقدم (أوروبا لا توزع التقدم على غير أبنائها الذين صنعت وتصنع لهم وبهم حضارة التقدم هذا فضلاً عن أن مريديها من أبناء العالم الثالث - ومنهم مثقفونا - لا يفعلون أكثر من أنهم يستهلكون أوروبا في أوطانهم دون أن ينتجوا المعاصرة تماما كما يفعل اقتصادهم) والانكفاء إلى الماضي ليس رهاناً كافياً لمواجهة تحدي العصر كلتا الحالتين تقود إلى الغربة: الغربة عن الحاضر.

والمفارقة أن أوروبا صنعت أمجادها بنفسها - لا بغيرها ولا بالاقتداء - والماضي العربي الإسلامي صنع أمجاده بنفسه بحاضره وبالاجتهاد وبالانفتاح على الثقافات العالمية لا بالانكفاء النكوصي وكلا النظامين (الأوروبي والعربي - الإسلامي) كان يملك الثقة بالذات والعقل المنفتح وهذا هو ما يفتقده عقل النخبة الثقافية العربية المعاصرة - بجميع أجنحتها - فهو لا يزال يواجه الشاهد بالغائب ويعيش عالة على الماضي العربي - الإسلامي وعلى أوروبا ومن ثمة على نفسه هكذا يتخلى عن أن يكون جديراً بأن يرث حضارته العظيمة وعن أن يكون جديراً بمنافسة أوروبا.

ومن هنا فإن المثقف العربي بحاجة إلى تطور نوعي في مسيرته في الواقع العربي حتى يتسنى له ممارسة دور أكثر حيوية وفاعلية وفي تقديرنا أن التطور النوعي في أداء المثقف العربي بحاجة إلى النقاط التالية:

من الإنفعال إلى الفعل

سيبقى المثقف العربي أسير الكثير من الصراعات الفكرية التي تبعده عن قضاياه الجوهرية وأموره المهمة مادام مرتكساً في حالة الانفعال وردود الأفعال لأن هذه الحالة تدفع بالمرء إلى الدخول في معارك وأعمال لا تعتبر ذات أولوية في حياته إلا أنه وانطلاقاً من تداعيات حالة الانفعال ينخرط فيها وهذا بطبيعة الحال يشتت جهده ويجعله بعيداً عن أولوياته والقضايا الجوهرية التي ينبغي أن يولي إليها العناية والاهتمام لذلك فإن المثقف العربي اليوم مطالب ولأسباب عديدة بتخطي حالة الانفعال إلى الفعل التي تؤهله نفسياً وعقلياً وثقافياً لممارسة دور أكثر ايجابية لصالح أمته ووطنه.

وتخرجه (حالة الفعل) على مستوى الموضوعات والقضايا من ذلك الحقل الذي شيده السابقون سواء على صعيد اسئلتهم الثقافية والفكرية او على صعيد الاجابات التي قدموها.

وبكلمة: فإن حالة الفعل تؤسس لذاتية ثقافية فاعلة وتسعى بكل إمكاناتها المعرفية والاجتماعية لتوفير إجابات نوعية شاملة عن أسئلة الراهن وهمومه الكبرى. وبهذا يخرج المثقف من أجواء التطاحن الفكري التي تقوده ضمن أجواء هذا التطاحن إلى الإصرار التعسفي بآرائه واختياراته الفكرية حتى لو تبين له سقمها أو عدم ملائمتها للواقع المعاش.

الإبداع

إن بذرة الإبداع تنمو في حياة المثقف حينما يبدأ وفق منهجية مدروسة وواعية التفاعل مع قضايا عصره وعلومه. ويبدأ هذا التفاعل بنقد الواقع معرفياً ومن ثم يبدأ حالات الإبداع لأنه ليس وليد الفراغ وانما هو حصيلة الخبرة والتجربة والمعاناة والتفاعل المباشر مع قضايا المجتمع والأمة.

فالإبداع الذي نراه ضرورياً للتطور النوعي في مسيرة المثقف العربي ليس مقطوع الصلة بالواقع الثقافي القائم بل هو ينطلق منه دون أن ينحبس فيه من أجل تأسيس منظومة ثقافية جديدة تعيد للمثقف حيويته ودوره في إعلاء شأن الوطن والأمة لأن الإبداع يعني فيما يعني فتح مغاليق الأمور واكتشاف سبل جديدة لخروج الواقع الثقافي من محنته.

لذلك فهو يتعاطى مع الواقع الثقافي بمفرداته المتنوعة من أجل إعادة صياغته بما يساوق دور الأمة التاريخي ودورها تجاه التحديات المعاصرة.

فالمثقف مطالب بأن يتجاوز كل القيود الواعية وغير الواعية على فعاليته الفكرية حتى يتمكن من ممارسة دوره الإبداعي. فالإبداع انتقال المثقف من حالة الانفعال واللهاث الفوضوي على المنجز الثقافي والمعرفي إلى الفعل والمشاركة في الإنتاج الثقافي الإنساني هما شرطا خروج المثقف من أزمته التاريخية لأنهما سيوفران الظروف المؤاتية لكي يتبوأ المثقف الموقع اللائق بإمكاناته وأدواره المفترضة واننا في هذا الإطار بحاجة إلى رؤية عربية رحبة لكي يتجاوز الوعي العربي انقسامه وحتى يتأسس الأفق العربي الجديد والبعيد عن احتمالات حروب النبذ والاقصاء والإنكار والاتهامات الرخيصة والسطحية وتخطو خطوة شجاعة تجاه تأسيس فضاء معرفي يتسع للحوار والاعتراف والاختلاف في اطار ودائرة المعرفة لا الايدلوجيا.

وممارسة النقد لأداء المثقف في الفضاء العربي، ليس تدميراً له، بل هو تقويم لأداء وتوفير المناخ الموضوعي والعام لانطلاق المثقف في الفضاء العربي وفق رؤية جديدة تتجاوز سيئات المراحل السابقة.. لذلك فإن النقد هو شرط التطوير، إذ لا تطوير لواقع المثقف العربي، إلا بممارسة النقد الحقيقي لتجربته خلال العقود الماضية، ونحن هنا لا ندعو إلى محاكمة تجربة المثقف العربي في العصر الحديث، وإنما ندعو ونحث على ممارسة النقد على هذه التجربة واكتشاف مواطن الضعف والقصور لتجاوزها، وتحديد نقاط القوة لتجذيرها وتعميقها.

والنقد وفق هذا المنظور لا يقلل من مساهمات المثقفين وعطاءاتهم الإبداعية والمعرفية، وإنما هو شرط حيوي لتقدم الثقافة وتطوير أداء وعطاء المثقف. وعليه فإن النقد لا يعني بأي حال من الأحوال تدمير المثقف أو الإعلان عن موته ونهايته، وإنما هو بداية ضرورية الاستئناف دوره على أسس جديدة ووفق رؤية منسجمة ومتطلبات المجتمع والعصر.

والنقد الموضوعي للمثقف في الفضاء العربي يقتضي:

1- معرفة طبيعة الظروف والمعطيات وتأثيرات الزمان والمكان على أداء المثقف وخياراته العملية، إذ لا يمكننا أن نمارس النقد الموضوعي بمعزل عن معرفة طبيعة الظروف الذاتية والموضوعية التي يعيشها المقف في أي مجتمع من المجتمعات.

2- مستوى التحديت التي تواجه الواقع العربي، ودور المثقف في مواجهة هذه التحديات وتأثيراتها المتعددة.

3- طبيعة الطموحات والأهداف التي يحملها المثقف لواقعه ومجتمعه. إذ ان معايير النقد الموضوعي لأداء المثقف في الفضاء العربي تتحدد من خلال هذه العناصر (ظروف الزمان والمكان ومعطياتهما - حجم التحديات التي تواجه الواقع العربي - مستوى الأهداف والغايات التي ينشدها المثقف).. فهذه العناصر هي معايير تقويم تجربة المثقف العربي، وعلى أساسها يتم ممارسة فعل النقد على خيارات المثقف في التجربة العربية المعاصرة.

وجماع القول: إن ممارسة النقد على تجربة المثقف العربي من الحقوق المشروعة لأي شريحة اجتماعية عربية. وإن المطلوب ليس ترذيل النقد أو محاربته، وإنما خلق المناخ المواتي للتعامل معه على أسس إيجابية، تستهدف تقويم التجربة، وتفسير حجم الإخفاق وسبل الانطلاق من جديد.

أخبار متعلقة

الكاتبة اللبنانية دلال البزري تكتب: حسرة المثقف على انحساره

الكاتبة اللبنانية دلال البزري تكتب : حسرة المثقف على انحساره

أمير تاج السر يكتب: الروائيون والقصائد

ألاحظ في الآونة الأخيرة، أن ثمة اهتماما غير عادي بالقراءة، من بعض

د. عبد الكريم بكار يكتب: الموضوعية

د. عبد الكريم بكار يكتب: الموضوعية

د. مرزوق بشير بن مرزوق يكتب: فرض القناعات

د. مرزوق بشير بن مرزوق يكتب: فرض القناعات

د. هشام الحمامي يكتب: المثقف العربي أفكارا وأوجاعا.. بن خلدون نموذجا

نستطيع أن نفهم وجود أخطاء بطبائع البشر أيا ما كانوا وأينما كانوا..

الكاتب فهد الأحمدي يكتب : من هو المثقف؟

في إحدى الأمسيات الثقافية سألني شاب خجول عن الفرق بين العبقري والمبدع؟ فاجأني

د. مصطفى رجب يكتب: جناية (أفعل) التفضيل على الشخصية العربية!

لا أحد يستطيع أن يحدد بالضبط بدء ولع العقل العربي باستخدام صيغة

شروخ فى جدار الوطن.. .. للدكتور عبد الولي الشميري

كم هي بلادي اليمن الحبيب جميلة، وفيها من الشموخ والعزيمة والإمكانيات ما