الثلاثاء 03 ربيع الأول 1439 - الموافق 21-11-2017
آخر الأخبار

د. مصطفى رجب يكتب: جناية (أفعل) التفضيل على الشخصية العربية!

د. مصطفى رجب يكتب: جناية (أفعل) التفضيل على الشخصية العربية!

لا أحد يستطيع أن يحدد بالضبط بدء ولع العقل العربي باستخدام صيغة التفضيل، فكتب الأدب تروي الكثير عن أهجى بيت، وأمدح بيت، وأغزل بيت، وأفخر بيت قالته العرب!!
هذا التفكير "الأُحادي" – بضم الهمزة أو بمدها (الآحادي) -، كانت له انعكاسات خطيرة على العقل العربي، فأبو حنيفة هو أعظم الفقهاء (عند أنصاره بالطبع) ولما كان الشافعية يرون إمامهم الشافعي هو أعظم الفقهاء وأتقاهم، تعمدوا الحط من مكانة أبي حنيفة، ولأن مالكاً هو أعلم الثلاثة، كان لابد للمالكية من التهوين من شأن أبي حنيفة والشافعي، وهكذا صنع الحنابلة، ولأن الأربعة في النهاية هم "الأعظم"، فقد ضاعت جهود فقهاء عظام لم تتح لهم شهرة الأربعة، مثل: الأوزاعي، والإمام زيد، والليث بن سعد، والطبري، وداود الظاهري، وغيرهم.
ويمكن أن يقال هذا الكلام نفسه عن علماء الحديث، فغالبية المسلمين يطيب لهم استخدام تعبير "أصح" كتاب بعد كتاب الله كوصف لصحيح البخاري أو صحيح مسلم.
والإباضية يصفون مسند الربيع بن حبيب بأنه "أصح" كتاب بعد كتاب الله فتتسع هوة الخلاف – نفسياً على الأقل – نتيجة الإحساس بالدونية الذي يرتبط ارتباطاً حتمياً باستخدام صيغة التفضيل.
ومع أن كتب اللغة تؤكد أن التفضيل كصيغة اشتقاقية لا يعني إلا زيادة المفضل على المفضل عليه، دون سلب المفضل عليه الخاصية الأصلية التي هي موضوع التفاضل، إلا أن قولنا: زيد أَحَدُّ بَصَراً من عمرو أصبح يعني في مفهومنا أن عمراً لابد له من نظارة طبية كثيفة كثافة الشعر الحداثي!!.
مع أن نظره قد يكون مثلاً 6 على 9 في حين يكون نظر زيد 6 على 6، وبذلك يكون هناك ملايين – من الخليج إلى المحيط – نظرهم يتراوح بين 6 على 12 و6 على 60 ولكنهم لا يشعرون بالمهانة التي يشعر بها عمرو حين يسمع تلك الجملة التفضيلية.
والذي ترتب على هذا:
أولاً: انحياز المفضَّل عليه إلى نفسه، وانحياز أنصاره إليه ومحاولتهم الذب عنهم، فنتج عن ذلك أن وجد في المجتمع العربي فريقان كبيران: الفرزدقيون والجريريون، ومع أن مصر بها مثلاً أكثر من خمسة عشر نادياً رياضياً ولكن المصري الأصيل لابد أن يكون أهلاوياً أو زملكاوياً.. فالنادي الأهلي ونادي الزمالك هما جرير والفرزدق!!
وكثير من شعرائنا في مطلع هذا القرن كانوا مجيدين حقاً – بمقاييس عصرهم – مثل أحمد محرم ومحمد عبد المطلب وخليل مطران وعلي الجارم، ولكن الذهنية العامة لم تكن تتسع إلا لاثنين فقط: شوقي وحافظ.
وشأن الأدب شأن الشعر، ففي الوقت الذي كانت أقلام: محمد حسين هيكل، وتوفيق دياب، وأحمد أمين، وعبد الوهاب عزام، ثم توفيق الحكيم ونجيب محفوظ، لم تكن الساحة تحتمل إلا: طه حسين والعقاد.
وما زالت صحافتنا تكرس هذا الوضع، ففلان أشجع العرب، وفلان أعلم أهل عصره، وفلان أمهر لاعب في الفريق.
ومن الأحادية إلى الثنائية أضاع العقل العربي جهوداً كبيرة في الخصومات والعصبية كان من الممكن أن تستغل لمزيد من العطاء والإبداع ولا حاجة بنا إلى تضييع الوقت في المقارنة بين البحتري وأبي تمام، وشوقي حافظ، وأبو نواس وأبو جلمبو!.

أخبار متعلقة

الكاتبة اللبنانية دلال البزري تكتب: حسرة المثقف على انحساره

الكاتبة اللبنانية دلال البزري تكتب : حسرة المثقف على انحساره

أمير تاج السر يكتب: الروائيون والقصائد

ألاحظ في الآونة الأخيرة، أن ثمة اهتماما غير عادي بالقراءة، من بعض

د. عبد الكريم بكار يكتب: الموضوعية

د. عبد الكريم بكار يكتب: الموضوعية

د. مرزوق بشير بن مرزوق يكتب: فرض القناعات

د. مرزوق بشير بن مرزوق يكتب: فرض القناعات

محمد محفوظ يكتب : رؤية في نقد المثقف العربي

ثمة في الواقع العربي الراهن وفي الحقل الثقافي الفكري على وجه الخصوص

د. هشام الحمامي يكتب: المثقف العربي أفكارا وأوجاعا.. بن خلدون نموذجا

نستطيع أن نفهم وجود أخطاء بطبائع البشر أيا ما كانوا وأينما كانوا..

الكاتب فهد الأحمدي يكتب : من هو المثقف؟

في إحدى الأمسيات الثقافية سألني شاب خجول عن الفرق بين العبقري والمبدع؟ فاجأني

شروخ فى جدار الوطن.. .. للدكتور عبد الولي الشميري

كم هي بلادي اليمن الحبيب جميلة، وفيها من الشموخ والعزيمة والإمكانيات ما